نظرة على البنية التحتية الكامنة وراء التمويل الإسلامي الحديث

تبدأ القصة في مصر، عام 1963.
افتتح أحمد النجار بنك الادخار في ميت غمر في بلدة صغيرة بدلتا النيل، موفراً حسابات خالية من الفوائد للمزارعين والتجار الذين أحجموا عن التعامل مع البنوك التقليدية لأسباب دينية. لم يكن هناك مساهمون يطالبون بعوائد، بل كانت الودائع تُجمع وتُستثمر في مشاريع محلية وتُوزع الأرباح. كان نموذجاً بسيطاً وموثوقاً ونابعاً من البيئة المحلية.
لم يستمر بنك ميت غمر سوى أربع سنوات قبل أن تغلقه الضغوط السياسية. لكن الفكرة بقيت، فافتتح بنك دبي الإسلامي أبوابه عام 1975 كأول بنك تجاري متكامل يعمل وفق مبادئ الشريعة. ومن هناك، نما القطاع بثبات عبر ماليزيا والبحرين وباكستان والمملكة المتحدة وإندونيسيا، ليؤسس نظاماً مالياً مستقلاً موازياً للنظام التقليدي.
يدير هذا النظام اليوم أصولاً تقدر بنحو 5.47 تريليون دولار أمريكي عالمياً، وينمو بمعدل سنوي يبلغ حوالي 11%. لم تعد المؤسسات صغيرة أو محلية، بل أصبحت متعددة الجنسيات، ونشطة رقمياً، وتتنافس على نفس العملاء الذين تستهدفهم أي بنوك تجارية أو استثمارية أخرى.
لكن البنية التحتية الداعمة لها لم تواكب هذا التطور.
الفكرة قديمة، لكن الهندسة ليست كذلك.
التمويل الإسلامي ليس معقداً من حيث المبدأ؛ فهو مجموعة من الأطر التعاقدية المصممة لاستبدال الفائدة (الربا) بالمشاركة في الأرباح، والمعاملات المدعومة بأصول، وهياكل الرسوم مقابل الخدمات. فالمرابحة هي بيع بربح معلوم وليست قرضاً، والإجارة هي عقد تأجير ينقل المنفعة الاقتصادية دون نقل الملكية، والمشاركة هي شراكة يتقاسم فيها الطرفان الربح والخسارة، والصكوك هي أدوات مهيكلة حول ملكية أصل حقيقي بدلاً من كونها التزاماً دينياً.
تعمل هذه الأطر منذ قرون، والمحرمات التي تنص عليها واضحة. أما ما ليس واضحاً، وما يجعل تحديث التمويل الإسلامي أمراً صعباً حقاً، فهو كيفية تنفيذ هذه الهياكل برمجياً، وتشغيلها عبر الحدود، والتحقق منها من قبل هيئات الرقابة الشرعية، وتقديمها للعملاء الذين يتوقعون نفس تجربة الوقت الفعلي التي يحصلون عليها من أي بنك رقمي آخر.
القرض الشخصي التقليدي هو التزام مباشر: اقتراض وسداد مع فائدة. أما المنتج المالي الإسلامي المقابل، كالمشاركة المتناقصة أو التورق، فيتطلب من البنك تسجيل مراحل تعاقدية متعددة، وتتبع الأصل الأساسي، وتخصيص الأرباح للفترة الصحيحة وبالسعر الصحيح، كل ذلك مع الحفاظ على مسار تدقيق يمكن لهيئة الرقابة الشرعية مراجعته. إن إدارة القروض المعمارية لأحدهما لا تشبه على الإطلاق معمارية الآخر.
هذه الفجوة هي جوهر تحدي التحديث.
المكونات التي تحتاج إلى إعادة بناء
تعتمد مؤسسات التمويل الإسلامي اليوم بشكل عام واحدة من ثلاث تكوينات للبنية التحتية.
الأنظمة الأساسية القديمة والمتجانسة: تستخدم العديد من البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي وجنوب آسيا نسخاً معدلة من أنظمة البنوك الأساسية التقليدية مع إضافة وحدات للمنتجات الإسلامية. لم تُصمم هذه الأنظمة للتعامل مع منطق العقود المتوافقة مع الشريعة، كما أن عمليات التحقق من الامتثال تتم يدوياً في الغالب. إن طرح منتج جديد، مثل خدمة اشترِ الآن وادفع لاحقاً أو حساب توفير مهيكل، يتطلب موافقة الهيئة الشرعية بالإضافة إلى أعمال هندسية قد تستغرق شهوراً.
أنظمة مصرفية إسلامية مخصصة: قامت مجموعة أحدث من المزودين ببناء أنظمتها من الصفر لتتوافق مع منطق المنتجات الإسلامية.
المنافسون الرقميون: فئة ثالثة من الشركات تعمل على بناء منتجات مالية ضمن الإطار الإسلامي دون أن تكون بنوكاً على الإطلاق.
ما يربط هذه الفئات الثلاث هو اعتمادها على نفس قدرات العمليات الخلفية: سجلات دقيقة تتعقب هياكل العقود متعددة الأطراف، و بنية تحتية للودائع تقوم بتوزيع الأرباح بدلاً من الفوائد، و أنظمة لإصدار البطاقات قادرة على فرض قيود على فئات الإنفاق وفقاً لمتطلبات الهيئات الشرعية. هذه ليست عمليات بناء بسيطة، ولا يمكن لأي منها أن تُدار بكفاءة عبر بنية تحتية صُممت لنموذج تعاقدي مختلف.
معضلة البنية التحتية
هناك توتر هيكلي في صميم تحديث التمويل الإسلامي لا تواجهه التكنولوجيا المالية التقليدية بنفس الشكل.
الامتثال الشرعي ليس مجرد خيار يتم تفعيله في قاعدة بيانات، بل هو رأي قانوني مستمر، تجدده هيئة من العلماء المؤهلين، ويُطبق على هياكل منتجات محددة في ولايات قضائية معينة. فما يُعتبر جائزاً في ماليزيا قد يختلف عما هو جائز في البحرين أو باكستان. لذا، فإن المؤسسة المالية التي تقدم منتجات عبر أسواق متعددة تدير في الوقت ذاته تفسيرات شرعية متعددة، يتطلب كل منها مسار تدقيق خاص وموافقة إشرافية مستقلة.
يؤدي هذا إلى تشتت في كل مستوى. فعلى مستوى المنتج، يجب مراجعة وتوثيق كل نوع من أنواع المرابحة أو الإجارة بشكل منفصل. وعلى مستوى التكنولوجيا، لا يوجد محرك امتثال موحد يمكنه أتمتة الرقابة الشرعية عبر مختلف الولايات القضائية، مما يدفع المؤسسات لبناء أنظمة مخصصة لا يمكنها التواصل مع بعضها البعض. أما في مستوى إلحاق العملاء ، فيجب على التطبيقات الموجهة للعملاء جمع وثائق وموافقات خاصة بنوع العقد المقدم، وليس الاكتفاء بإجراءات "اعرف عميلك" (KYC) القياسية.
المشكلة الأعمق هي أن هذا التشتت يتفاقم بمرور الوقت. فالبنك الذي يستخدم نظاماً واحداً لـ التمويل الرقمي للإنشاء، وأخرى لتوزيع الأرباح، وثالثة للمدفوعات التوجيه ينتهي الأمر بوجود فجوات في التسوية، وثغرات في التدقيق، ومشرفين شرعيين لا يمكنهم الحصول على رؤية واضحة لدورة حياة العقد بالكامل. ونادراً ما يرى العميل الذي يحجز المنتج التصحيحات وشطب الديون الناتجة عن ذلك، إذ تظل حبيسة فريق العمليات، مستهلكةً وقتاً وتكاليف لا يراها السوق.
كيف يبدو هذا على أرض الواقع
المؤسسات التي تنجح في هذا الأمر تتعامل مع الامتثال للشريعة كقيد تصميم أساسي، وليس كإضافة لاحقة يتم تطبيقها في نهاية عملية البناء.
ما تشترك فيه معظم البيئات، سواء في ماليزيا أو البحرين، هو الإدراك بأن التمويل الإسلامي لا يمكنه التحديث بمجرد وضع واجهات رقمية فوق منطق عمل خلفي لم يتغير. يجب أن تدمج البنية التحتية العقود في صلبها؛ فنسب تقاسم الأرباح، وجداول ملكية الأصول، وشروط عقود الإجارة، وسجلات التدقيق الشرعي، كلها يجب أن تكون جزءاً من النظام الأساسي، لا أن تظل في جداول بيانات أو أنظمة جانبية يديرها فريق العمليات.
المؤسسات التي تصل إلى هذا الهدف بأسرع وقت هي تلك التي تمتلك بنية تحتية معيارية تعتمد على واجهات برمجة التطبيقات (API-first)، حيث يمكن تحديث أو استبدال كل مكون -سواء كان دفتر الأستاذ، أو محرك القروض، أو طبقة المدفوعات- دون الحاجة إلى تفكيك كل ما يحيط به.
عندما تحجز ليلى منتج تمويل عقاري متوافق مع الشريعة عبر تطبيق بنكها في كوالالمبور، أو يستثمر دانيال في صكوك عبر منصة وساطة رقمية في لندن، فإن ما يريانه هو واجهة نظيفة وجدول أرباح واضح. أما ما لا يريانه فهو منطق العقد، ومسار التدقيق الشرعي، وقيود دفتر الأستاذ متعددة المراحل، وفحوصات الامتثال التي جعلت ذلك ممكناً.
هذا هو الدور الحقيقي للبنية التحتية الحديثة للتمويل الإسلامي.
السوق ضخم، والطلب حقيقي، والتعقيد يكمن في البنية التحتية الأساسية.